|
I.P.O. RESEARCH PAPERS
هانز كشلر الديمقراطية والنظام العالمي الجديد
النظام العالمي الجديد والادعاء العالمي بالحق في القوة بعد انتهاء الصراع بين الشرق والغرب الادعاءات الأيديولوجية مقابل العمل السياسي الحقيقي: البحث عن نموذج جديد في العلاقات الدولية نظرية الديمقراطية كعنصر من عناصر استراتيجية إضفاء الشرعية الديمقراطية الدولية كبديل – المبدأ المثالي في ضوء واقعية سياسة القوة
عن النص الإنجليزي الذي ترجمه لوني جونسون عن اللغة الألمانية. وقد نشرت الطبعة الإنجليزية الأولى من هذا البحث منظمة التقدم الدولية (دراسات في العلاقات الدولية، المجلد 19، فيينا 1993). [International Progress Organization (Studies in International Relations, vol. 19, Vienna, 1993)] راجع الترجمة الإنجليزية إليوت شرايبر.
© by International Progress Organization,
Vienna, 1993. All rights
reserved. |
|
النظام العالمي الجديد والادعاء العالمي بالحق في القوة بعد انتهاء الصراع بين الشرق والغرب
في اليوم السادس عشر من شهر يناير (كانون الثاني) من عام 1991، عند بداية حرب الخليج، أعلن الرئيس الأمريكي عن "نظام عالمي جديد" يتميز بسيادة القانون، قائلاً: "حيث سيادة القانون، لا قانون الغاب، هي التي تحكم سلوك الأمم"[1]. وبعد انتهاء الحرب حاول جورج بوش أن يعرِّف صيغ المصطلحات الغامضة التي وردت في بياناته باستخدام أسلوب عاطفي كالذي استخدمه السير ونستون تشرتشل بعد الحر ب العالمية الثانية، وذلك برفع شعارات العدالة والإنصاف والحرية واحترام حقوق الإنسان كقاعدةٍ لنظامٍ عالميٍّ جديدٍ بين الشعوب، وهو نظام كان من شأنه حماية الضعيف من القويِّ[2]. وعلى المنظِّر السياسي أن يستقصي إلى أيِّ مدىً تشكِّلُ هذه البيانات وغيرها من البيانات المماثلة، التي يلقيها الساسة الغربيون منذ انهيار الشيوعية، أكثر من مجرد محاولة لإضفاء الشرعية الأيديولوجية على ممارسة القوة، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية؛ بل وإلى أيِّ مدىً يمكن تبرير غُلُوِّ جورج بوش في الإشادة بفترة حكمه، بكلام كأنه صادر عن إيمان عميق – "كانت فترة زمنية بلغت فيها الإنسانية أشُدَّها"[3] – كيف يمكن تبريره من حيث حدوث تغيُّر تاريخي أساسي، أي التغيُّر النموذجي في صورة العالم السياسية؟ إن لدى كل عهدٍ مَيْلاً إلى تمجيد منجزاته بلهجة المؤمن إيماناً عميقاً. فالمرء، إذْ يُفرِطُ في التعميمات عن روح العصر، يسارع إلى الاستشهاد بـ "الروح التاريخية العالمية"، بينما لا يعدو الأمر أن يكون في الحقيقة مجرد حماية لمصالح القوة المعرَّضة للخطر. لقد بيَّن ذلك هيغِل – كما فعل هايديغَر فيما بعد – في انتهازيته المحرجة بالحديث عن روح العصر التي بُرِّرت بمفهوم فلسفة التاريخ المثالية غير المنطقية، وحققت استمراريتها في الصور المتعددة للأنظمة الاستبدادية في هذا القرن. ثم إن فرانسيس فوكوياما، أحد أبطال الدفاع عن نمط الحياة الأمريكية، الذي بولِغَ في تقديره كفيلسوفٍ في الحضارة، قد وقع في غواية الإشادة قبل الأوان بمنجزات النظام الغربي وتحصينه، وذلك عندما أعلن أن انهيار الشيوعية هو بمثابة نهاية "التاريخ في حدِّ ذاته"[4]. ونظراً إلى كون "ديمقراطية الغرب الليبرالية" أثبتت في هذه التطورات أنها النظام الاقتصادي الأكثر نجاحاً، فإن فوكوياما يجادل بأنها قد تشكِّل "نقطة النهاية لتطوُّر البشرية الأيديولوجي".[5] إن النجاح الفعلي لهذا النموذج من التنظيم السياسي، من حيث سياسة القوة، يمكِّن المدافعين عن هذا النظام، مثل فوكوياما، من إهمال التحليل النقدي لمفهوم الديمقراطية إهمالاً يكاد يكون تاماًّ، والقول بوجود "إجماع مرموق على شرعية الديمقراطية الليبرالية كنظامٍ للحكم"[6]، حتى وإن انتشر في عدد كبير من الدول نظامُ قِيَمٍ يختلف عن ذلك اختلافاً تاماًّ. وإن التصريحات القائلة بأن هذا النظام "خالٍ من أيَّةِ تناقضات داخلية جوهرية"[7] تحول فعلاً دون مواجهةٍ عقلانيةٍ غير متحيزة مع الهياكل الأساسية لهذا النموذج من الديمقراطية. ويزيد في تعزيز هذه التفسيراتِ الاستنتاجُ الخاطئُ لسياسة القوة، القائل بأن فشل النموذج المناوئ قد أثبت بالفعل صحة النظام الغربي – أي كفايتَهُ الديمقراطية. ولذلك، بعد انتهاء الحرب الباردة حل التنـزيه محل النقد الذاتي. ويتجسد هذا الموقف في الحديث عن نظام عالمي جديد مصوغٍ على غِرار الخطوط الأساسية للديمقراطية "الليبرالية". وكُبِتَتْ أيُّ أسئلةٍ أخرى حولن النوع المحدد من أنواع الديمقراطية ومدى تحقُّق هذا النوع في النموذج الذي يمارسه الغرب، لأن هذا النموذج – الذي يُدَّعى بأنه نموذجٌ يُحتَذى منذ نهاية الحرب الباردة – يمثِّل على أتمِّ وجهٍ الأساس الذي يقوم عليه ادِّعاء العالم الغربي بحق السيطرة على العالم ومكانةُ الولايات المتحدة كزعيمة له[8]. بل إن الإيمان السياسي المصاحب لهذا الافتراض يسمح ببعثِ نظرية "الحرب العادلة" في خدمة الديمقراطية والسلام[9]، التي يُفترَضُ أنها اندثرت. وهكذا نرى أن النـزعة المتطرفة غير الناقدة التي كانت سائدة في العهد الاستعماري، والتي ترى أن أوروبا هي مركز العالم، بُعِثَت من جديد بكل صلفها واستبدادها السياسي عندما نجد ممثِّلاً لما يسمىّ بالعقلانية "الناقدة"، مثلاً، وهو السير كارل بوبر، يتحدث عن "دول العالم المتحضِّر" ويفترض ضمناً أنها يمكن أن تستخدم أسلحة الدمار الشامل بمسؤولية وأن لها الحق في تأديب دول العالم الثالث "غير الناضجة"[10]. وهذه العنصرية الممجَّدة، التي تسمح لمفكرين من أمثال بوبر بأن يشبِّهوا العالم الثالث[11] بـ "روضة أطفال" تتفق مــع كثير من المقالات الافتتاحية الصحفية التي كثيراً ما تبرر تدخُّلات الغرب العسكرية الوحشية. ويتبيَّن من الفحص الدقيق للمُثُل، التي يتذرعون بها مراراً وتكراراً في الإعلانات السياسية، أن هذه المثل جزء لا يتجزَّأ من استراتيجية لإضفاء الشرعية على تصرفات هذه البلدان تروِّج سياسة المعايير المزدوجة لتحقيق مصالحها هي نفسها القائمة على القوة، أي أنها تهدف إلى جعل هذه السياسة مقبولة لدى العالم أجمع.[12] وفي هذه الظروف، وتماماً بمعنى القانون الدولي التقليدي، الذي كان يُعتقَدُ أن الناس قد تغلَّبوا عليه، يمكن تبرير ممارسة القوة - بل استخدام العنف– أخلاقياًّ. فإذا كانت هذه الأعمال تخدم "هدفاً أسمى" – كـ"ضمان السلم" والديمقراطية، مثلاً، أياًّ كان المعنى المفترض لهذه العبارة– فهي عندئذٍ أعمال مشروعة. بل يبدو من الممكن، في إطار النظام العالمي الجديد، التحايل على حظر استخدام القوة، المكرَّس في ميثاق الأمم المتحدة، إذا نجحت الدولة المعنية في إضفاء الشرعية على مصالحها تحت رعاية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ونتيجةً لذلك، يُعلَنُ بسخريةٍ أن الحروب العدوانية (التي تكون في شكل حروب ائتلافية) تدابير اتُّخِذت دفاعاً عن القانون الدولي.[13] إن مهمة الفيلسوف هي أن يطعن بعينٍ ناقدة في الادعاءات بالشرعية، لا أن يكتفي بمجرد الأخذ بالتوضيحات الرسمية دون أن يختبرها. ولذلك، سيكون من الضروري إلقاء نظرة فاحصة بصورة أوثق على المصطلحات المستخدمة في الخطاب عن النظام العالمي الجديد، وتعريف المفهوم الرئيسي للديمقراطية تعريفاً أدقَّ مما يحدث عادة في الأحاديث السياسية. ومما يعزز ارتياب الفلسفة السياسية من وجود ادعاءات أيديولوجية في الخطاب السياسي بوجه عام، ومن إعلان نظام عالمي جديد بوجه خاص، وهو ارتياب سليم، بيان جورج بوش الذي ذكرناه في بداية هذا البحث وأكَّده بِزُهُوٍّ في خطابه عن حالة الاتحاد الذي ألقاه في 29 يناير (كانون الثاني) 1992 وأعلن فيه انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، وصاغ فيه نوعاً من أيديولوجية الدولة العظمى للنظام العالمي الجديد– وكان قد امتدح حماية القويِّ للضعيف قبل ذلك بسنة. وفي هذا السياق ترك تحديد المعايير الأخلاقية لممارسة القوة لحسن تقديره هو، إذ قال: "إن استخدام القوة بحكمة يمكن أن يعود بالخير العميم."[14] ومن الجدير بالملاحظة مدى السرعة التي حلت بها المصطلحات الكلاسيكية لسياسة القوة محل صيغ المثاليات التي تميزت بها "المرحلة الانتقالية" في الفترة 1989-1991، حالما أصبح مركز الولايات المتحدة واضحاً ووطيداً. وكانت أدوات الهيمنة التقليدية قد استُخدِمت بالفعل في بداية أزمة الخليج عام 1990، وإن كانت مزخرفة بعبارات مثالية. ومنذ ذلك الحين أخذ الرئيس يبرر علناً استخدام الأمم المتحدة كأداةٍ سياسية-عسكرية لخدمة مصالح سياسة الولايات المتحدة تعبيراً عن سياسة القوة، إذ قال: "لأن العالم يثق بنا وعَهِدَ إلينا بالقوة …"[15] ولذلك، نجد مبرراًّ لإثارة منظِّري العلاقات الدولية مسألة إلى أي مدى يبعد الكلام عن النظام العالمي الجديد – وما يلازمه من الإعلانات المتعلقة بالديمقراطية وسيادة القانون، ومـا إلى ذلك –، عن كونه مجرد تورية في وصف السلام الأمريكي بعد انتهاء الحرب الباردة.[16] السؤال الرئيسي الذي لا تستطيع إخفاءه كل التصريحات والإعلانات المتعلقة بنظام عادل هو: إلى أي مدى يمكن تحقيق نظام جديد أساساً بهياكل النظام القديم. بعبارة أخرى، إذا تمسك المرء بنموذج سياسة القوة هل يكون صادقاً في ادعائه ببناء نظام جديد يتميَّز أيضاً بتطبيق الديمقراطية في العلاقات بين الدول؟ ألا يستتبع إحلال نظام أحادي القطب محل نظام ثنائي القطب بعث سياسة القوة التقليدية لأن من الطبيعي أنه لا يمكن تحقيق الضوابط والتوازنات – التي هي شروط لازبة للديمقراطية وسيادة القانون – إلا في إطار نظام متعدد الأقطاب؟[17] ألم يكن بعثُ مجلس الأمن من سباته كفاعلٍ على المسرح الدولي بعد عقود من الشلل في نظام ثنائي القطب قائماً على الريبة المتبادلة والعوائق المتناوبة بناء على امتياز حق النقض – قد تم على حساب تجانس في مجموعة الدول العالمية أكثر حتى مما عهدناه في عقود الحرب الباردة؟ أليس "تفعيل" الأمم المتحدة أكثر من مجرد نتيجة لشلل جميع القوى المنافسة في مجال سياسة القوة؟ وكيف يتسنى للمرء أن يتحدث عن نظام جديد إذا كان صُلْبُ النظام القديم يعبر عن نفسه الآن بصورة أوضح وأكثر بروزاً من ذي قبل؟ وكيف يمكن نشر الديمقراطية بوسائل سياسة القوة؟ وكيف يمكن للفلسفة السياسية أن تبرر إلغاء المبادئ المعيارية - كاتخاذ القرارات بطريقة ديمقراطية، مثلا ً- بالضبط، في الظروف التي يمكن فيها لهذه المبادئ أن تؤثر تأثيراً مباشراً في حياة البشرية، وخاصةً في ميدان الأمم المتحدة على وجه التحديد؟[18] ولماذا لم يوسَّع مرمى الأصوات المطالبة بإشاعة الديمقراطية في العلاقات الدولية ليشمل منظمة الأمم المتحدة؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح بعد انتهاء الصراع بين الشرق والغرب إذا أراد المرء أن يحترم الادعاء الأيديولوجي الذي يتجلىّ في كل التصريحات المتعلقة بالنظام العالمي الجديد. وهناك ضرورة مطلقة لإجراء تقييمٍ ناقدٍ لسياسة الواقع لمعالجة هذه المسائل، تقييمٍ يجب أن يقوم على نقدٍ فلسفي للمفاهيم السائدة عن الديمقراطية إذا أراد المرء أن يتجنب مزالق الوقوع في مجرد وصفٍ للأعراض.
الادعاءات الأيديولوجية مقابل العمل السياسي الحقيقي: البحث عن نموذج جديد في العلاقات الدولية
تتكون النصوص السياسية التي نشرت حتى الآن عن النظام العالمي الجديد، إلى حد كبير، من عبارات فارغة – ما لم تكن ذات طبيعة سرية. فالشعارات التي تُطلَق عن الديمقراطية والأمن الجماعي وترويج التجارة العالمية الحرة، إلخ.[19] لا تعدو أن تهتف بأهدافٍ ومُثُلٍ غامضة تتظاهر جميع الدول بتأييدها. وعلاوة على ذلك، إن الطموح الكامن وراء عبارة "النظام العالمي الجديد" ليس جديداً. فقد سبق الإعراب عنه في شعارات حول "عالَمٍ آمِنٍ للديمقراطية" و "عالمٍ حرٍّ" و "عالمٍ واحدٍ"، وما إلى ذلك.[20] وقد عبَّر عن هذا الطُّموح بوجهٍ خاصٍّ – من حيث كونه دوراً أخلاقياًّ رائداً تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية – الرئيسُ كارتر الذي كان يلجأ غالباً وبشكل ملحوظ إلى استخدام مصطلحات تصبو إلى المثالية.[21] ونسجت العبارات الطنانة التي صاحبت تأسيس الأمم المتحدة على هذا المنوال أيضاً. أما كيف ترى الدولة العظمى – الولايات المتحدة الأمريكية – أبعاد النظام العالمي الجديد فعلاً فهذا أمر أقل وضوحاً في التصريحات التي توجَّه في الاحتفالات إلى الجماهير منه في الوثائق التي لا يراد نشرها، كوثيقة البنتاغون الاستراتيجية السرية التي تصوغ المفهوم الرئيسي للنظام الذي سيسود بعد الحرب الباردة على أنه "سيطرة مُحْسِنة من قبل دولة واحدة". وفي هذا السياق، يُنظَر إلى المهمة الحاسمة لسياسة الولايات المتحدة الدفاعية على أنها المحافظة على القوة العسكرية اللازمة "لردع أية دولة أو مجموعة من الدول عن تحدي صدارة الولايات المتحدة."[22] ("التصويب" الذي نشرته وزارة الخارجية فيما بعد، أي بعد تعرُّضها لنقد دولي لاذع، ما هو – على الأرجح - إلا من قبيل العلاقات العامة.) إذا أريد تبرير صفة "الجديد" بأي وجهٍ كان، فيجب أن يكون في النظام العالمي الذي قام بعد انتهاء التنافس بين الشرق والغرب خاصِّيَّة هيكلية أساسية واحدة على الأقل تميزه عن النظام السابق الثنائي القطب. فالتمييز الشكلي المحض - بين ثنائي القطب، وأحادي القطب، ومتعدد الأقطاب، مثلاً – لا يمسَّ ظاهرة ممارسة القوة إلا بصورة سطحية فقط. غير أن الفرق المحدد بينه وبين النظام السابق يمكن أن يكمن في تطبيق الديمقراطية في العلاقات الدولية، التي تميَّزت حتى الآن بسياسة القوة والمصالح، وهي حقيقة موثَّقة بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة، الذي يعطي مركزا متميِّزاً للدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن.[23] وإذا أريدَ أن يكون لنشر الديمقراطية، وهو العنصر الأساسي في النظام العالمي الجديد، أي معنىً فلا ينبغي أن يكون هذا النشر مقصوراً على صعيد السياسة الوطنية؛ بل يجب على المرء، لدى صياغة قواعد اللعبة الدولية، أن يُلزِم دولتَه بنفس المبادئ التي تُلزِم جميع الجهات الفاعلة الدولية الأخرى – وعليه أن يقبل فوق كل شيء بحقيقة أن نفس المبادئ التي تصلح على الصعيد الوطني يجب أن تطبق على الصعيد الدولي أيضاً.[24] ولا يمكن في هذه الظروف نشرُ سياسةِ مصالحَ هَوْجاء باعتبارها إسهاماً في إقامة نظام عالمي جديد؛ وعندئذٍ تصبح الديمقراطية مبدأً هيكلياًّ لمنظمة دولية لا شعاراً لإضفاء شرعية على ادعاء امرئٍ بالحق في احتكار القوة في العالم. والصيغ الواردة أعلاه توثِّقُ في الواقع نية الولايات المتحدة – ومعها العالم الغربي – في تجديد ادعائها بالحق في الهيمنة وضمان هذه الهيمنة بصورة أفعل، وهذا هو ما نشرته دائماً مع شعار إقامة نظام جديد أكثر عدالة. وهذا أمر توثِّقه حقيقة أن الزعماء الذين يتذرّعون بأيديولوجية الحرية (الغربية) ويتظاهرون بإقامة بنية عالمية جديدة يسعون إلى تحقيق هذه الأهداف بواسطة سياسة القوة القديمة. ويتجلىّ هذا الأمر بوضوح في بعث الأمم المتحدة كأداة "أمنٍ جماعي" (وهو في الحقيقة أمن الولايات المتحدة وحلفائها). فميثاق الأمم المتحدة، كما بيَّناّ في مكان آخر بمزيد من التفصيل،[25] يعكس تركيبة القوى في عام 1945، كما يتَّضِح من المركز المتميز للدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن. ونتيجةً لذلك، نجد أن مبدأ المساواة السيادية (القانونية) بين الدول، وهو مبدأ راسخ في الميثاق، قد ألغي بحكم الأمر الواقع لأن الأهلية الحاسمة لتنفيذ القانون الدولي مقصورة بالضبط على تلك الهيئة التي يملك خمسة من أعضائها امتيازاً متمثِّلاً في حق النقض (الفيتو). وقد شهد العالم إباّن أزمة الخليج نتائج هذه التركيبة من حيث سياسة الواقع. فقد أوجدت الأمم المتحدة إطاراً لإضفاء الشرعية على عمل عسكري بقيادة الولايات المتحدة. وفي ضوء ظروف سياسة القوة، أصبح مجلس الأمن أداة من أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.[26]ونتيجةً لذلك، أصبحت سياسة المعايير المزدوجة، بحكم الضرورة تقريباً، هي السياسة الرسمية للأمم المتحدة لأن مجلس الأمن، القائم على الخلل الهيكلي في الميثاق، الذي يمثله حق النقض، لا يمكنه أن يتصرف إلا إذا سمحت بذلك مصالح الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، نجد أن المصالح الأمريكية هي التي تحدد أبعاد التدابير المتخذة في الحالات المعنيَّة – التي تتراوح من فرض الجزاءات إلى استخدام القوة العسكرية، مثلاً. وقد صاغ علماء السياسة الأمريكيون هذه المعضلة الأساسية في التعليق التالي: "لا يصلح أي بلدٍ لأن يتَّخِذَ دَوْرَ الحَكَمِ في القانون والنظام الدوليين بدعوى أنه ليست له هو نفسه أية مصالح ثابتة."[27] ولذلك، إذا كان المرء فعلا ينشر الديمقراطية – بخلاف مبادئ سياسة القوة في القانون الدولي الكلاسيكي[28] – باعتبارها النموذج الجديد للنظام الدولي، فمثل هذا البرنامج الذي يسعى إلى المثالية يجب أن يتبعه عمل. ويجب، على وجه الخصوص، أن تُحذَف مـن ميثاق الأمم المتحدة الأحكام التي تضمن المركز المتميِّز للدول الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب لأنها لا تعبِّر عن شيء أكثر من تحصين سياسة القوة، مما يمكِّن أقوى الدول، قانوناً، من تحويل الدول الأخرى إلى رهائن لحقِّ النقض الذي تملكه ومن الشروع في عدوانٍ دون أن تخشى التعرُّض للجزاءات القانونية. وحالما يتم اتخاذ قرار بموجب الفصل السابع من الميثاق، يمكن الاستمساك بتدابير محددة للتنفيذ بالإكراه، وذلك بطريقة تعسُّفية عملياًّ، لأن العضو المسلح بحق النقض يمكنه،مستقلاًّ عن غيره، أن يقرر متى يكون البلد العضو الذي هو موضوع الإجراءات التأديبية قد وفى وفاءً تاماًّ بـ "الشروط" المعنية. وبهذا يُفتَح الباب على مصراعيه لاستخدام القوة بتعسُّف وعنجهيَّة. وينبغي أن تدفع الثَّمَنَ شعوبٌ بكاملها تقع بين فَكَّيْ رَحىَ تَضارُب المصالح السياسية العالمية، وهي ليست صراعات بين الشعوب ذاتها، وإنما تحركها النخبة الحاكمة. وما دام ميثاق الأمم المتحدة لم يُنَظَّف من مخلَّفات سياسة القوة، وما دام يستخدم فِعلياًّ لإدامة تركيبةِ قوىً تشكَّلت نتيجة حرب، فإن الكلام عن الأسس الجديدة التي ستقوم عليها العلاقات الدولية لا يعدو أن يكون تَأسِّياً فارغاً. وإن التدابير السياسية الحقيقية تقضي على الادعاء الأيديولوجي وتجعله مجرد مهزلة. فـ "الديمقراطية" ما هي إلا شعارٌ لضمان الهيمنة الدولية. وتُخْتَزَلُ الشروط الفعلية لتحقيق الديمقراطية في العلاقات بين الدول عن عمد. وعلى الرغم منن كل الكلام الطنّان فإن الخطاب المعني بالنظام العالمي الجديد لا يعالج المسألة التي لا يمكن المساس بها، وهي سياسة القوة. فكيف لنا أن نفسِّر بغير ذلك المهام العقائدية لسياسة المصالح، وهي مهام تتكون من كسوة مصالح الهيمنة للدولة المعنية بثوبٍ يجعلها تبدو وكأنها مصالح إنسانية (عالمية)؟ وكما لاحـظ جيمس بيتراس (James Petras)، وهو مُحِقٌّ في ذلك، إن الجهود الراهنة للولايات المتحدة الأمريكية، التي تفهم نفسها على أنها هي الدولة العظمى الوحيدة، تهدف إلى إقامة نظام عالمي جديد يركِّز على القوة العسكرية.[29] وهذا يستبعد كل أشكال التعددية القطبية ونتيجة لذلك يناقض أبسط مبادئ الديمقراطية. ففي نظام التمثيل السياسي في الدولة لا يمكن تحقيق الديمقراطية – وإن كانت محدودة بسبب التمثيل – إلا في إطار تعدد الأحزاب، لا في شكل هيمنة الحزب الواحد؛ وقياساً على ذلك، يستحيل تحقيق الديمقراطية على صعيد دولي في نظام أحادي القطب. ويبدو الأمر غايةً في الغرابة عندما يتحدث ممثلو الدولة العظمى الوحيدة، التي تستطيع أن تلغي قواعد اللعبة الجديدة بصورة تعسفية، عن "العدل الدولي" و "الشراكة"، إلخ. وإن التبايُنَ بين التعددية القطبية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي والأحادية القطبية في المجال العسكري و/أو السياسي يشجع الناس بصورة مؤلمة على إدراك عدم وجود توجُّهٍ جديدٍ صادق في العلاقات الدولية. بعد انتهاء الثنائية القطبية، التي شلَّت السياسة الدولية بالفعل عشرات السنين ولكنها حالت أيضاً دون تصعيد الصراعات وتحوُّلها إلى مجابهات عالمية، لاحت لأول مرة فرصة لوضع تصميم جديد "سخيّ". ولكن من سوء الحظ أن الفرصة التي أوجدها انهيار النظام القديم استُخدِمت فقط لـ "بلاغة سياسية عالمية" جديدة، لا لإعادة تشكيل هيكل العلاقات بين الدول وفقاً لمبدأ التعددية القطبية، أي الديمقراطية، التي تتجلى في الاعتراف بالحرية والمساواة (المعيارية) بين جميع الناس – كأفراد وكأعضاء في دول (تجمعات). فالديمقراطية لا يوجد لها إلا معنى عِتْقِيٍّ (بمعنى إحقاق حقوق الإنسان الأساسية) عندما يُنظَرُ إليها في بُعدها الدولي، أي عندما يُعامَل المواطن كأنه مواطن عالمي (كوزموبوليتان) _ بكل ما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات. ويتبين من التمحيص النهائي أن الانعتاق داخل الدولة خداع للنفس إذا كان المواطنون ما زالوا خاضعين لتركيبة القوى الدولية، وكانت الإمكانيات المتاحة لمواطني دولة معيَّنة، مثلاً، لتحقيق ذاتهم أقل كثيراً من الإمكانيات المتاحة لمواطني الدول "المتميزة". وفي هذا السياق، لا يمكن تلبية المطالبة التي قُدِّمت في السبعينات لإقامة نظام اقتصادي دولي جديد[30] – ورفضتها المؤسسات والحكومات التي لها وزنها في سياسة القوة، هي لا غيرها، على الفور – إلا إذا مُثِّل مواطنو البلدان التي كانت محرومة آنذاك تمثيلاً ديمقراطياًّ في المنظمات الدولية التي تنفِّذ سياسة القوة. وهذا يستتبع لا إلغا |